ابن عطية الأندلسي
280
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
و تَوَلَّى و سَعى تحتمل جميعا معنيين : أحدهما أن تكون فعل قلب فيجيء تَوَلَّى بمعنى ضل وغضب وأنف في نفسه فسعى بحيله وإرادته الدوائر على الإسلام ، ومن هذا السعي قول اللّه تعالى : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى [ النجم : 39 ] ، ومنه وَسَعى لَها سَعْيَها [ الإسراء : 19 ] . ومنه قول الشاعر : [ الرجز ] أسعى على حيّ بني مالك * كل امرئ في شأنه ساع ونحا هذا المنحى في معنى الآية ابن جريج وغيره ، والمعنى الثاني أن يكونا فعل شخص فيجيء تَوَلَّى بمعنى أدبر ونهض عنك يا محمد ، و سَعى يجيء معناها بقدميه فقطع الطريق وأفسدها ، نحا هذا المنحى ابن عباس وغيره ، وكلا السعيين فساد . وقوله تعالى : وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ . قال الطبري : « المراد الأخنس في إحراقه الزرع وقتله الحمر » . وقال مجاهد : « المراد أن الظالم يفسد في الأرض فيمسك اللّه المطر فيهلك الحرث والنسل » ، وقيل : المراد أن المفسد يقتل الناس فينقطع عمار الزرع والمنسلون » . وقال الزجّاج : « يحتمل أن يراد بالحرث النساء وبالنسل نسلهن » . قال القاضي أبو محمد : والظاهر أن الآية عبارة عن مبالغة في الإفساد ، إذ كل فساد في أمور الدنيا ، فعلى هذين الفصلين يدور ، وأكثر القراء على يُهْلِكَ بضم الياء وكسر اللام وفتح الكاف عطفا على لِيُفْسِدَ ، وفي مصحف أبي بن كعب « وليهلك » ، وقرأ قوم « ويهلك » بضم الكاف ، إما عطفا على يُعْجِبُكَ وإما على سَعى ، لأنها بمعنى الاستقبال ، وإما على القطع والاستئناف ، وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وأبو حيوة وابن محيصن « ويهلك » بفتح الياء وكسر اللام وضم الكاف ورفع « الحرث » و « النسل » ، وكذلك رواه ابن سلمة عن ابن كثير وعبد الوارث عن أبي عمرو ، وحكى المهدوي أن الذي روى حماد بن سلمة عن ابن كثير إنما هو « ويهلك » بضم الياء والكاف « الحرث » بالنصب ، وقرأ قوم « ويهلك » بفتح الياء واللام ورفع « الحرث » وهي لغة هلك يهلك ، تلحق بالشواذ كركن يركن ، و الْحَرْثَ في اللغة شق الأرض للزراعة ، ويسمى الزرع حرثا للمجاورة والتناسب ، ويدخل سائر الشجر والغراسات في ذلك حملا على الزرع ، ومنه قول عزّ وجل إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ [ الأنبياء : 78 ] ، وهو كرم على ما ورد في التفاسير ، وسمي النساء حرثا على التشبيه ، و النَّسْلَ مأخوذ من نسل ينسل إذا خرج متتابعا ، ومنه نسال الطائر ما تتابع سقوطه من ريشه ، ومنه قوله تعالى : وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ [ الأنبياء : 96 ] ، ومنه قول امرئ القيس : [ الطويل ] فسلّي ثيابي من ثيابك تنسل و لا يُحِبُّ معناه لا يحبه من أهل الصلاح ، أي لا يحبه دينا ، وإلا فلا يقع إلا ما يحب اللّه تعالى وقوعه ، والفساد واقع ، وهذا على ما ذهب إليه المتكلمون من أن الحب بمعنى الإرادة .